سينما 2013: الإنسان في وجه الزمن وتقلباته

15.January.2014 Wednesday 01:24 GMT | المصدر : Alriyadh

مع انقضاء عام 2013 وبدء عام جديد، لا تخلو أغلب المدونات السينمائية حول العالم في الصحف أو المواقع عن النظر إلى الخلف وتأمل حصاد العام من أعمالٍ سينمائية، كانت رهاناً في بداية العام، وبعضها لم يكن متوقعاً على الإطلاق، بينما تنحو بعض تلك المدونات النظر إلى الأمام، في محاولة لاستقراء الأعمال الجديدة التي ستتربع في فضاء الشاشة الكبيرة محاولة استقطاب جمهور متعطش لروائع الفن السابع.

وقبل البدء في الحديث عن أعمال بعينها، يجدر بنا الحديث عن الحصاد الإجمالي لعام 2013، والذي يعتبر عاماً مميزاً، لكونه عاماً عالمياً خصباً، وليس في هوليوود التي تمتاز كما هي العادة بخصب شبه دائم على مر السنين. لكن هذا العام وإن كان من حيث إنتاجه العام ثرياً، إلا أنه عام الانتكاسات المهرجانية، فمن حيث تكريم الأعمال الجدلية التي عارضها النقاد والجمهور على حد سواء إلى تجاهلٍ لأعمال قدرت نقدياً وكانت ذات شعبية جماهيرية بالغة، وكما يفعل كينيث توران في كتابه الشهير"من سنداس إلى سراييفو: مهرجانات الأفلام والعالم الذي تصنعه"، من حيث تقسيم المهرجانات إلى مهرجانات ذات أجندة تجارية، ومهرجانات ذات أجندة جيوسياسية، ومهرجانات ذات أجندة جمالية، فإن الحال من عام 2002، وقت نشر كتابه، إلى اليوم، أصبحت أسوأ إذ تضاعفت الأجندة الأولى والثانية وتقلصت الثالثة.

سنستعرض معاً في الفقرات القادمة أبرز الأعمال السينمائية والتي لا يعني وجودها في القائمة المديح النقدي بقدر ما تعكس محطات توقف في عام 2013، لعدة أمور سترد في سياق كل عمل باختصار نحاول ألا يكون مخلاً.

وجدة - هيفاء المنصور:

بعد أربعة أفلام قصيرة، تأتي التجربة الروائية الطويلة الأولى لهيفاء المنصور في عالم السينما، مدعومة بشراكات إنتاجية أوروبية وخليجية، في محاولة تقديم الفيلم الأول الذي يتم تصويره بالكامل داخل المملكة. ومن خلال قصة بسيطة لفتاة تحلم بامتلاك دراجة، يتم حشد العديد من الأفكار التي تصر المنصور على مشاركة جمهورها بها، وهي مشكلة خليجية بامتياز، لكن الفيلم الذي تم إنتاجه بحرفية عالية، ومن خلال أداء مميز لطاقم العمل، يجعل الفيلم يقدم حضوراً مميزاً في العديد من المهرجانات التي تستقبله في حدث أول من نوعه، إذ مثل المملكة كبلد منتج في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي للمرة الأولى في تاريخ المهرجان، كما أنه أول فيلم سعودي تباع حقوق عرضه السينمائي لشركات أوروبية وأمريكية، وهو الأول أيضاً الذي يتم تسجيله رسمياً للترشيح في فئة أفضل فيلم أجنبي في جائزة الأكاديمية الأمريكية للسينما الأوسكار. إنه انتصار للسينما السعودية، رغم كل ما يمكن أن يثار من حديث حول التعاون المشترك وغيره.

عبد لاثني عشر عاماً – 12 years a slave - ستيف ماكوين:

بعد العديد من الأفلام القصيرة أيضاً، يأتي ماكوين في تجربته الإخراجية الثالثة لفيلم روائي طويل. ماكوين يضع أقدامه على قاعدة نجاحات متتالية لأفلام تدور حول شخوص محددة في مواجهة معضلة فريدة. ماكوين يختار مذكرات سولومون نورثوب الشاب الأفريقي الذي يتم اختطافه من نيويورك عام 1841، ليستعبد ويجبر على العمل في حقول القطن في ولايا لويزيانا حتى عام 1853. في مهرجان تورنتو السينمائي المختلف نوعياً، كانت بوابة الطريق إلى الأوسكار، رغم تعليق ماكوين الجدلي"الأمريكيون ليسوا على استعداد لمواجهة ماضيهم القريب، وذلك أمر مفهوم. فهذه العملية تستغرق وقتاً". ماكوين أكد أن وجود أوباما والجدل حول مقتل مارتن ترافون والذكرى المائة والخمسين لمسيرة الحقوق المدنية تدفع الناس بمختلف مشاربهم لتأمل ماضيهم القريب. وهو يتعاون مرة أخرى مع مايكل فايسبندر الذي يقدم أداءً فاخراً كعادته رغم وحشية الدور.

جاذبية - Gravity -

ألفونسو كوارون:

"إنه أفضل فيلم فضاء على الإطلاق" يقول جيمس كاميرون، ونقول بكل جرأة إنه أحد أفضل أفلام العام على الإطلاق. كوارون الذي قضى وقتاً جانبياً في اشتغاله على الفيلم لإقناع "وارنر بروذر" بأن أفكار هوليوود ليس لها سبيل إلى فيلمه، وأنه يحتاج وقتاً طويلاً لفيلم نوعي يتحدث عن الفضاء بدقة، دون أي ارتباطات بقصة جانبية أو مقاطع من الماضي. كوارون يحتفظ بوعده ويقدم وجبة دسمة للمشاهدين عن قصة رائد فضاء مخضرم وطبيبة مهندسة ترافقه، يصطدم بمكوكهما وهما بالخارج ركام قمر صناعي فيبقيان معلقين في الفضاء مع خزان أوكسجين يتناقص بالتدريج.

وحل – mud - جيف نيكولس:

يصر البعض على أن ماثيو ماكوني يستقيظ من سباته ويحصل على دور يعيده إلى الشاشة الكبيرة في صورة مشرقة وإن كان بين المستنقعات. والبعض يرى أن السر ليس في ماكوني الذي تجذبه أضواء هوليوود، بل في جيف نيكولس الذي أبهرنا في فيلميه الطويلين السابقين "قصص بندقية السلاح" 2007، "اتخذ ملجأً" 2011. ورغم كل ما يمكن قوله إلا أن هذا الفيلم يحوز تقديراً نقدياً عالياً، يجذب جمهوراً بالغاً، لكنه يفشل بشكل بالغ في شباك التذاكر، ويبقى نموذجاً لرومانسية هوليوود التي لا تعبر إلا عن الجزء العائم من الجليد دون محاولة الدخول في عمق ما.

الماضي - The Past - أصغر فرهادي:

فرهادي والمشاكل العائلية مرة أخرى، لكن في بيئة مختلفة عن أفلامه السابقة، هذه المرة إيران ليست مسرح الأحداث بل فرنسا، وبتدخل وسط عربي آخر في القصة. العائلة الجديدة التي يشتغل عليها فرهادي تجسد قيماً مختلفة يصر على إبرازها كرافد لصياغة الافتراق الذي يصنعه منذ بداية الفيلم وحتى نهايته، في قصة يحسن فرهادي إخراجها وبطاقم جيد يستخرج منه أفضل أداء ممكن كما يفعل مع بيرنيس بيجو التي تؤدي دوراً مميزاً باقتدار. فرهادي يلعب في أرض جديدة ويكسب حقاً!.

داخل لوين ديفيز -

Inside Llewyn Davis الأخوة كوين:

جويل وإيثان كوين غنيين عن التعريف، العالم عالمهما، واللعبة لعبتهما. ستينيات القرن الماضي، موسيقى الفولك، نيويورك. أوسكار أيزاك، يمثل دور مغن عاثر الحظ ومتعثر، محاط بشخصيات تفتقر إلى الوازع الأخلاقي من كل مكان، تنقلاته لا تزيد حظه إلا تعثراً، وفيما هو يحاول البقاء بعيداً عن المشاكل مكتفياً عن الطلب من الآخرين مساعدته، متخلياً عن حقوقه مقابل مبلغ زهيد آني، آملاً بحظ جيد لألبومه الفاضل في نيويورك، يجد نفسه مهووساً بالقط البرتقالي الذي يجد طريقه إليه بشكل ما. في لقطة من الفيلم تنسى يتقاطع هذا الشاب المتعثر بشاب آخر سيكون له شأن رائع في موسيقى الفولك بوب ديلان!. بينما ينتظر رجل في الخارج بحلة نفيسة ليلقنه علقة أخرى. فيلم رائع آخر يضاف إلى سجل الأخوين كوين.

الجمال العظيم - The Great Beauty - باولو سورنتينو:

باولو سورنتينو وتوني سرفيلو مرة أخرى، وهذه المرة في تحفة إيطالية تستحق الاحتفاء، عن روائي تصيبه ما يطلق عليه "قفلة الكُتاب"، إذ يحاول استكشاف عوالم الفن والكتابة والأدب في روما، المدينة التي تحتشد تحت سمائها أسماء كثيرة في هذه العوالم، مختلطة بعوالم الأثرياء والمترفين، عوالم تحتوي الصفوة والأراذل، يتجول فيها الروائي الباحث عن هدى لأناس يبحثون هم الآخرون عن الجمال العظيم، الكمال الذي قتل كثيراً من العباقرة دون الوصول إلى شاطئه، في مدينة ذات إرث حضاري هائل ومعمار يجتهد الفيلم في استثماره، ما يعيد إلى ذاكرتنا تحفة فيليني الشهيرة "ثمانية ونصف".

قبل منتصف الليل – Before Midnight - ريتشارد لينكلاتر:

هذا هو الفيلم الثالث قبل شروق الشمس 1995، وبعد الغروب 2004، من إخراج ريتشارد لينكلاتر ومن بطولة إيثان هوك وجولي دلبي، لينكلاتر يستثمر القصة الرومانسية الجميلة، بعد 9 أعوام من الفيلم السابق، جيسي وسيلين لديهما توأم ابنيتن، كما يعيش جيسي مشكلة معقدة مع ابنه هانك من زوجته السابقة. الكثير من المشي والكلام مع حوارات تصاغ في الجملة تحت بند الظرافة. الفيلم لا يتوقف عند ذلك بل يقدم رومانسية واقعية من خلال الوقوف على الحوارات الساخنة سوء الفهم الذي يحدث بين محوري القصة في تأكيد أن قصص الحب الجميلة أيضاً يصيبها الإرهاق والترهل. إنها رحلة عقد ونصف!.

ياسمين الكئيبة -

Blue Jasmine – وودي آلن:

هذا فيلم يصنف على أنه أحد أفضل الأعمال التي قدمها وودي آلن، وبغض النظر عن أي تصنيفات مبدئية إلا أن الحقيقة أن آلن يعرف كيف يقدم أعماله وبالذات من خلال الحوارات التي تأتي من خبرة عتقتها السنين للنيويوركي العتيد، في قصة عن امرأة تعود إلى عالمها القديم بعد أن عاشت حياة الثراء والرفاهية التي استيقظت من حلمها الجميل بكابوس، وفي غمرة محاولاتها العودة إلى ذلك العالم، تكتشف أن العالم ليس رحيماً بقدر ما لم تكن هي رحيمة به من خلال خياراتها المادية والتي لا يحاول آلن كثيراً في جعلها اختياراً أجبرت عليه أو أن الظروف دفعتها إليه. كيت بلانشيت قدمت دوراً مهماً لمسيرتها المتميزة كفنانة حاصلة على الأوسكار.

الأزرق أدفأ الألوان – عبد الطيف كشيش:

فيلم عبداللطيف كشيش التونسي الفرنسي، يفاجئ النقاد والجمهور بالفوز بسعفة كان الذهبية، رغم ترؤس ستيفن سبيلبيرج المحافظ لجنة التحكيم، لفيلم يعتبر الأكثر جرأة ومباشرة في تاريخ المسابقة، لكن الأجواء المحيطة بفرنسا تجعل مثل هذا الفوز مسوغاً ومسماراً جديداً في نعش المهرجان السينمائي الشهير، الذي أصبحت الاتهامات تتوالى عليه سنوياً، مرة بدافع السياسة ومرة لاعتبارات وطنية لا دخل للمهرجان أو للفن بها بحال. الفيلم يحكي علاقة لا يمكن تبين خطوط القصة فيها، بسبب المشاهد التي يبدو أن كشيش لا يحسن غيرها.

القبطان فيليبس- بول غرينجراس:

يبدو أن هناك علاقة حميمة بين توم هانكس وبين البحر، إنها العودة الأمثل بعد "النفي بعيداً" أو المنبوذ في عام 2000. لقد عاد بول غرينجراس بكاميرته المحمولة مرة أخرى، عن قصة استيلاء قراصنة صوماليين في عام 2008 على سفينة "مايرسك ألاباما" بما في ذلك القبطان ريتشارد فيليبس وطاقمه. كتب سيناريو الفيلم بيلي راي، معتمداً على كتاب "واجب القبطان" لريتشارد فيليبس بمشاركة ستيفن تاتلي،

اندفاع – Rush - رون هاوارد:

بطولة الفورمولا 1 عام 1976، هناك منافسة هائلة بين جيمس هنت ونيكي لاودا، يفوز بها الأول، لكن المخرج رون هاوراد معتمداً على قصة كتبها البريطاني المخضرم بيتر مورغان، بأجواء مليئة بالإثارة والحماس، يتدفق الأدرينالين من عروق الممثلين كريس هيمسوورث ودانيال برول عروق الجمهور الذين اتفقوا مع النقاد على أن هاوارد قادر دائماً على خلق الإثارة الأفضل دائماً. الفيلم يعكس قصة السباق الشهير مع التركيز على الشخصية النزقة للبريطاني جيمس هنت الذي فقد رغبته الحقيقية بسباقات الفورومولا بعد فوزه بالنقاط على لاودا السائق الحقيقي والرياضي الأجدر.

الريح تعلو – the wind rises -

هياو ميازاكي:

يأخذ هذا الفيلم أهميته القصوى كونه الفيلم الأخير لسيد الأنمي هياو ميازاكي، إذ أعلن ميازاكي اعتزاله بعد عرضه في مهرجان فنيسيا السينمائي في دورته السبعين. الفيلم كعادة ميازاكي وكل إنتاجات استديو غيبلي يأتي في إنتاج رفيع المستوى مع قصة مقتبسة من مانجا لميازاكي تعتمد على قصة قصيرة لتاتسو هوري عنوانها "الريح قد علت". هذا الفيلم الذي يحكي سيرة متخيلة لجيرو هوريكوشي الرجل الذي صمم طائرات ميستوبيش أي5إم وأي6إم الشهيرتين في الحرب العالمية الثانية. ميازاكي انتقد بشكل واسع في اليابان وفي كوريا الجنوبية وبعض دول الجوار. الطرف الأول رأى فيه الخيانة والخذلان والاعتراض على الصوت الياباني العام بسبب التعديل على القانون الذي يسعى له رئيس الوزراء الحالي، وفي المقابل رأت في الأطراف الأخرى تمجيداً لهوريكوشي وطائراته التي قتلت الأبرياء، رغم معرفته بشهرة معارضة ميازاكي للحرب بل وحتى رفضه لاستلام جائزة الأوسكار من أمريكا بسبب حرب العراق، لكن زملاءه في الأستديو نصحوه وقتها بالاحتفاظ برأيه لنفسه.


تابعنا :